







في إهدن (شمال لبنان)، حيث تختزن الأمكنة ذاكرتها بين الحجر والطبيعة، تبدو الصورة أكثر من مجرد لحظة مجمّدة داخل إطار. هي ذاكرة، وشهادة، وسؤال، وأحياناً صرخة صامتة. ومن هذا المعنى انطلقت النسخة الثالثة من المعرض الفوتوغرافي «لَمّا الصورة بتحكي»، الذي نظّمه «تجمّع المصورين في إهدن» في مبنى الكبرى الأثري، برعاية جمعية «أزل» للتراث، وبحضور وزير الإعلام السابق المهندس زياد المكاري، ومشاركة 26 مصوراً ومصورة من لبنان.
منذ الدخول إلى المعرض، يتأكد الزائر أن العنوان ليس مجرد تسمية، بل هو خلاصة التجربة. الصور لا تقف على الجدران لتُشاهَد فقط، بل تفتح أمام المتلقي مساحات من التأمل، وتنقله بين حكايات الإنسان والمكان والطبيعة والتراث.
تتنوّع الأعمال المشاركة بين مشاهد للطبيعة اللبنانية وبيوت أثرية وتفاصيل من البيئة، وصور للطيور والعصافير التقطتها عدسات ترصد لحظات دقيقة قد تمرّ أمام العين من دون أن تترك أثراً. وفي المقابل، تحضر صور أخرى أكثر قسوة، تتناول الإنسان في ضعفه وقهره وفقره واستغلاله، لتتحول العدسة من أداة لتسجيل المشهد إلى وسيلة للتعبير عن موقف إنساني.
وفي بعض الصور، تبدو الطبيعة وكأنها هي التي توجه السؤال إلى الإنسان: لماذا لا نحافظ على هذا الجمال؟ ولماذا ندمّر ما لم نصنعه؟ فتوثيق المشهد الجميل يصبح، في الوقت نفسه، تنبيهاً إلى خطر فقدانه.
ولعل إحدى أبرز ميزات المعرض تكمن في الجهد الذي لا يظهر في الصورة نفسها. فاللقطة التي تبدو عابرة وسهلة قد تكون نتيجة انتظار طويل وترقّب للحظة نادرة؛ حركة طائر، انعكاس ضوء، تعبير وجه، زاوية بيت قديم أو تفصيل صغير لا تلتقطه العين بسهولة. هنا تظهر مهارة المصور الحقيقية: أن يرى قبل الآخرين، وأن يعرف متى يضغط على زر الكاميرا.
وتعود فكرة المعرض وتنسيقه وتنظيمه إلى المصور والفنان عبدو الدويهي، رئيس «تجمّع المصورين في إهدن»، الذي حرص على جمع تجارب فوتوغرافية متعددة، تختلف في أساليبها وزواياها، لكنها تلتقي عند الإيمان بأن الصورة يمكن أن تكون وثيقة وحكاية ورسالة، لا مجرد لقطة جميلة.
وخلال الافتتاح، أشاد الدويهي بالمصورين المشاركين وبمسيرتهم وعطاءاتهم في عالم التصوير، معرباً عن أمله في أن تتوسع التجربة في الدورات المقبلة، وأن ينتقل المعرض من إهدن إلى بيروت والجنوب، بما يفتح المجال أمام الصورة اللبنانية للوصول إلى جمهور أوسع في مختلف المناطق.
كما حمل الافتتاح لفتة وفاء للمصورين، من خلال تقديم دروع تقديرية لعدد منهم، تقديراً لمسيرتهم وعطاءاتهم، ولا سيما الذين حملوا كاميراتهم إلى ساحات الحروب والأحداث الصعبة، ووثقوا لحظات إنسانية وتاريخية شكّلت أجزاء أساسية من الذاكرة اللبنانية.
فالاحتفاء بالمصور هنا لم يكن احتفاءً بفنان يلتقط الجمال فقط، بل بشاهد يحمل كاميرته إلى حيث يصعب الوصول، ويحوّل اللحظة العابرة إلى وثيقة، والمشهد القاسي إلى شهادة تبقى للأجيال.
ويستمر المعرض يومي السبت والأحد 29 و30 آب، من الخامسة بعد الظهر حتى العاشرة مساءً، ليبقى مبنى الكبرى الأثري في إهدن مساحة تلتقي فيها الصورة بالتراث، والفن بالذاكرة، والطبيعة بالإنسان.
أما «لَمّا الصورة بتحكي 3»، فيترك للزائر خلاصة بسيطة وعميقة في آن: ليست كل الحكايات بحاجة إلى كلمات. أحياناً، تكفي صورة واحدة… إذا كانت خلفها عين تعرف كيف ترى.